JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

recent
عاجل

البحر الأحمر.. والكنز المغمور

 د. عبدالله صادق دحلان



تؤدِّي هيئة التراث دورًا وطنيًّا محوريًّا في حماية الهويَّة الثقافيَّة للمملكة، والحفاظ على الموروث التاريخيِّ والحضاريِّ الذي تمتد جذوره لآلاف السنين، وقد نجحت الهيئة -خلال السنوات الأخيرة- في توسيع مفهوم حماية التراث، ليشمل ليس فقط المواقع التاريخيَّة والمعالم العمرانيَّة على اليابسة، بل أيضًا التراث البحري والثقافي المغمور تحت المياه، وهو أحد أكثر الملفَّات الثقافيَّة ثراءً وأهميَّةً في المملكة.

وفي الوقت الذي تتَّجه فيه أنظار العالم إلى المشروعات العملاقة، التي تشهدها سواحل البحر الأحمر، يبرز كنزٌ آخرُ يتمتَّع بأهميَّة حضاريَّة وثقافيَّة واقتصاديَّة كبيرة، إلى جانب ما تمثِّله قطاعات النفط والتجارة والسِّياحة من مكانة إستراتيجيَّة للمملكة، لكنَّه ظلَّ لقرون طويلة مختبئًا في الأعماق، إنَّه التراث الثقافيُّ المغمور تحت المياه، ذلك العالم الصامت الذي يحتفظُ بسفن غارقة، وموانئ قديمة، وقطع أثريَّة تحمل بين تفاصيلها تاريخًا اقتصاديًّا وحضاريًّا عريقًا للجزيرة العربيَّة، وتكشف حجم الدور الذي لعبته المنطقة عبر التاريخ في حركة التجارة والتواصل الحضاريِّ بين الشعوب.
لقد أدركت هيئة التراث مبكِّرًا أنَّ البحر الأحمر لا يمثِّل مجرَّد شريانٍ ملاحيٍّ عالميٍّ، بل يُعدُّ متحفًا تاريخيًّا مفتوحًا يُخفِي في أعماقه آثارًا بحريَّة تعودُ إلى مئات السنين، ومن هنا جاء تأسيس مركز متخصِّص لحماية التراث الثقافيِّ المغمور تحت المياه عام 2020، في خطوة تعكس التحوُّل النوعي في مفهوم حماية التراث الوطنيِّ داخل المملكة، والانتقال من الحفظ التقليديِّ إلى العمل البحثيِّ والعلميِّ المتخصِّص؛ باستخدام أحدث التقنيات العالميَّة في المسح البحريِّ والتوثيق الرقميِّ والاستكشاف الأثريِّ.

ويُعدُّ البحر الأحمر من أقدم طرق التجارة البحريَّة في العالم، حيث عبرته على مدى قرون طويلة السفن القادمة من الهند والصين وشرق إفريقيا باتِّجاه موانئ الحجاز، محمَّلة بالتوابل والبخور والخزف والمنسوجات والبضائع النَّفيسة، وكانت موانئ مثل جدَّة وينبع محطَّات رئيسة في حركة التجارة والحجَّاج بين الشرق والغرب؛ ما منح المنطقة أهميَّة اقتصاديَّة وثقافيَّة استثنائيَّة، وجعل أعماق البحر الأحمر شاهدةً على قصص إنسانيَّة وتجاريَّة وحضاريَّة متراكمة عبر العصور.
وتكتسب هذه الجهود أهميَّة مضاعفة؛ لأنَّها لا تقتصر على حماية الآثار فحسب، بل تمتد إلى بناء قطاع اقتصاديٍّ وسياحيٍّ جديد، يرتبط بالسياحة الثقافيَّة، والغوص التراثيِّ، والبحث العلميِّ، فالكثير من دول العالم حوَّلت مواقع السفن الغارقة إلى مزارات سياحيَّة عالميَّة تدرُّ ملايين الدولارات سنويًّا، والمملكة تمتلك اليوم مقوِّمات تؤهلها لتصبح واحدة من أهم الوجهات العالميَّة في هذا المجال، خاصَّة في ظل ما تمتلكه من سواحل ممتدة، وتنوُّعٍ طبيعيٍّ، وتاريخٍ بحريٍّ عريق.
ويأتي هذا الحراك الثقافيُّ والتراثيًّ امتدادًَا للدور الكبير الذي تقوم به وزارة الثقافة في حماية الإرث التاريخيِّ للمملكة؛ وإعادة تقديمه للعالم بصورة تليق بتاريخها الحضاريِّ العريق، ففي زمن أصبحت فيه الثقافة أحد أهم عناصر القوَّة النَّاعمة للدول، لم تعد حماية الآثار والتراث مجرَّد نشاط ثقافيٍّ محدود، بل تحوَّلت إلى مشروع وطنيٍّ متكاملٍ يرتبط بالاقتصاد والسياحة والتعليم وتعزيز الهويَّة الوطنيَّة، وقد شهد القطاع الثقافيُّ السعوديُّ -خلال السنوات الأخيرة- نقلةً نوعيَّةً غير مسبوقة، خاصَّة في ظلِّ رؤية السعوديَّة 2030 التي وضعت الثقافة والتراث ضمن أهم مسارات التنمية الوطنيَّة، وأعادت للمواقع التاريخيَّة والتراثيَّة حضورها المحلي والعالمي. وتعمل وزارة الثقافة، بالتعاون مع الجهات المتخصصة في التراث والآثار، على تنفيذ برامج واسعة لترميم وتأهيل المواقع التاريخية وحمايتها من الاندثار، سواء في المدن الكُبرى، أو القُرى التراثيَّة القديمة، وشملت هذه الجهود مواقع تاريخيَّة بارزة مثل حي الطريف، وجدة التاريخيَّة، والعلا، إلى جانب العديد من المواقع الأثريَّة التي أُدرج بعضها ضمن قائمة التراث العالميِّ في اليونسكو، في تأكيد واضح على المكانة الحضاريَّة للمملكة وعمقها التاريخي الممتد عبر العصور.
وقد سُررتُ شخصيَّا بتلقِّي دعوة خاصَّة من مدير فرع هيئة التراث بجدَّة الأستاذ زياد ياسين فدا، لحضور العرض الأوَّل للفيلم القصير “مغمور”، وهو ما يعكس الاهتمام الكبير الذي توليه الهيئة لإشراك المثقَّفين والمهتمِّين بالشأن الثقافيِّ والتراثيِّ في مثل هذه المبادرات النوعيَّة، هذا الفيلم الذي يسلِّط الضوء على التراث المغمور في أعماق البحار، ويأخذ المُشَاهدَ في رحلة استكشاف ممتعة، تكشفُ جانبًا خفيًّا من التاريخ البحريِّ للمملكة، بأسلوب بصريٍّ حديث يجمع بين المعرفة والإبداع والرسالة الوطنيَّة.
وفي هذه المناسبة، أتقدَّم بخالص الشكر والتقدير إلى سمو وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وإلى الرئيس التنفيذي لهيئة التراث الدكتور جاسر بن سليمان الحربش، وللمشرف العام على برنامج جدَّة التاريخيَّة الأستاذ عبدالعزيز العيسى، وكافَّة فرق العمل والمتخصِّصِين والباحثِين القائمِين على مشروعات التراث الثقافيِّ المغمور، على جهودهم الكبيرة في حماية ذاكرة الوطن البحريَّة، وإبراز كنوز البحر الأحمر، وتسليط الضوء على جانب مهمٍّ من تاريخ المملكة، وتراثها البحريِّ العريق، متمنِّيًا لهم دوام التوفيق والنجاح في تقديم المزيد من المبادرات الثقافيَّة الهادفة، التي تحفظ إرث الوطن، وتعزِّز حضوره الحضاريَّ عالميًّا.


البحر الأحمر.. والكنز المغمور

alsyndbad

تعليقات
    الاسمبريد إلكترونيرسالة